الحضـــارة الرائعــــة .
كتبهاyassine mop ، في 24 أغسطس 2007 الساعة: 23:20 م
هذه الحضـــارة الرائعــــة لم تـــــزدهــــر إلا بعاملين أساسيَّيْن، لا ثالث لهما، أولهما: عنصر داخلي ينبع من أصل العقيدة الإسلامية، وعاملٌ خارجي أحاط بهذه الحضارة، وكان من مقوماتها وأساسياتِها، وهو الذي دفعها دفعة قوية إلى أمام، ومكن لها سبيل الانتشار والازدهار.
فالعنصر الداخلي: الذي يتصل بِجوهر العقيدة، وفَهْم مبادئها الفهم العميق والصحيح، وتَحقيقِِِِِها في دنيا الواقع والسلوك وأصلِ الحضارة يقوم على جوهر الإسلام كله من أوله إلى آخره، وهو قول: (لا إلـه إلا الله). إنه توحيد الله في ربوبيته، وألوهيته، وصفاته، وأفعاله، وتوجيه كل عبادة مستحقة إليه وحده.
(لا إله إلا الله) تعني أن المعز والمذل، والمحيي والمميت، والمغني والمفقر، وفاعلَ كل شيء في الوجود هو الله وحده، وليس أحد من العـــباد.. تعني: أنه لا يضر وينفـــع، ولا يصل ويقطع، ولا يعطي ويَمنـع، ولا يخفض ويرفع، إلا الله.
هذا الإيمان المطلق بجوهـر التوحيد جعل من الإنسان المسلم شجاعاً لا يخشى الموت، ولا يخاف من قول الحق لَوْمة لائم، ولا يطأطئ رأسه لمخلوق، ولا يرضى هواناً، ولا يقبل ذلاً واحتقاراً.
هان الموت في عينيه فوهبت له الحياة ودان النصر، واسترخص الدنيا فدانت له الآخرة، وزهد في العاجلة فملك سعة البقاء والخلود. أجل! إن الدنيا لاتخضع إلا لمن زهد بِها وأعرض عنها، ولا توهب الحياة إلا لمن طلب الموت. والنصر لا يكون إلا لمن باع نفسه لله.
هذا الفهم العميق للتوحيد كان أساس بناء المسلم الحضاري، وكان مفتاح النصر الذي حمله المسلمون من مشارق الدنيا إلى مغاربِها ففتحوا القلوب قبل أن يفتحوا الثغور.

الصلاة عنوان الحضارة
دخل الناس في دين الله أفواجاً، وحققوا معانِيَ الإسلام، من صلاة وصوم وزكاة وحج، وآمنوا بالغيب كما آمنوا بالشهادة، وعبدوا الله كأنهم يرونه، ففتحت لهم مغاليق روائع الحضارة، وانداحت من على أيديهم إلى أركان الوجود.
وبرهاناً على ما نقول نأخـذ عنصـراً واحـداً من عناصر الإسلام الحضارية ـ والعناصر كلها حضارية ورائعة وأخاذة ـ وليكن عنصر الصلاة.
الصلاة ركن من أركان هذا الدين الحنيف، مَن أقامها فقد أقام الدين، ومن هجرها فكأنَّما نبذ الإسلام ظهرياً، وهجر الدين وأهله.
للصلاة شروط وأركان وواجبات ومقدمات، أما إقامتها والدخول فيها فحدث عن الروائع والمقاصد ولا حرج.
تكرارها خمس مرات في اليوم الواحد، في الصيف والشتاء، والحر والقُرّ، والحضر والسفر، والليل والنهار.. وفي كل مرة يقف المصلي بين يدي الله يؤدي حسابه، ويتوجه إليه بالدعاء، ويسأله التوفيق والنجاح، والسعادة في الحياة الدنيا والآخرة.
في كل صلاة يلتقي بِجيرانه الأقربين في مسجد الحي، أو في جامع المدينة، وقد يجتمع بإخوته في الأقطار الأخرى في عرفات..
هذا اللقاء الدائم يولد التعارف، والتعارف ينشئ التقارب، والتقارب يوصل إلى المحبة، والمحبة تصنع المعجزات.
إن دوام صلاة المؤمن في المسجد ولقاءه بأقرانه المتوجهين إلى الهدف الواحد يخلق فيهم روح القوة والتضامن والتكافل ويحقق لهم الهدف المنشود.
هل لي أن أقول: إن الفاتحين المسلمين في العصور الخوالي ما كانوا يستطيعون أن يفعلوا ما فعلوا، وأن يحققوا ما حققوا، وأن ينتصروا ذلك النصر المبين لولا أنهم اعتادوا الوقوف دائماً صفاً واحداً، يأتمرون بإمرة إمام واحد أو قائد واحد، يركعون إذا ركع، ويسجدون إذا سجد، وينهضون إذا نهض، ويقعدون إذا قعد .. تعودوا على أن يكونوا صفاً واحداً كالبنيان المرصوص، الطويل بجانب القصير، والضـعيف بجانب القوي، والأسود بجانب الأبيض، والغني بجانب الفقير.. أفلا تؤمن وأنت ترى هذا المنظر المتكرر على طول الأيام والعمر أن هذه الصلاة عنوان من عناوين حضارة العرب والمسلمين؟
أفلا ترى أن سيطرة الغرباء على البلاد العربية والمسلمة في الأعصر المتأخرة ما حاقت بِها إلا يوم تخلت عن هذا الركن الحضاري، ويوم أدى المصلون صلاتهم كعادة مستحكِمة، وطقوس شكلية، وعباراتٍ مردَّدَة، لا يُفقَه معناها، ولا يُتأمَّل في مغزاها.؟
أما العامل الخارجي: الذي أحاط بهذه الحضارة، وكان من مقوماتها وأساسياتها والذي دفعها دفعة قوية إلى أمام، ومكن لها سبيل الازدهار والانتشار فهو القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة السلام، وحضهما الناس على العلم وترغيبهم فيه إلـى أقصى حدود الترغيب.
لم يسـو القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف بين الذين يعلمــون والذين لا يعلمون، وفاضت الآيات بِحض الإنسان على أن ينظر في أقطار السماوات والأرض، وفي نفسه، وفي ملكوت الله من خلال تعرفه مخلوقاته، ولم تساو السـنة المحمدية بين دماء الشهداء ومداد العلماء، وجعلت الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يفعل.
وما العلم الذي ذكره القرآن والسنة بقاصر على علوم الدين وحدها، من قرآن وحديث وتجويد وتفسير وفقه وأصول ونحو وصرف وما أشبهها فحسب، ولكنه العلم الشامل المطلق، بكل أبعاده، ومنطلقاته، وفنونه، وألوانه، واتجاهاته.
إنـه العلم بأمور الدين، والعلم بأمور الحياة، إنه الفلك، والطب، والفيزياء، والكيمياء، والنبات، والتربة، والبحار، والذرة، والاقتصاد .. والمتبحرون فيها هم العلماء، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {إنما يَخشى اللهَ من عباده العلماءُ} "فاطر: 82".
هذا الدفع الكبير إلى العلم والدراسات والبحوث شعار من شعارات الحضارة العربية الإسلامية، وعنوان من عناوينها، وأكرِمْ به من شعار وعنوان.
كان القرآن الكريم والسنة النبوية مسبوكين بلغة عربية صافية، يعرفها ويتحدث بها أبناء الجزيرة العربية، لكن الملايين التي دخلت في الإسلام، واعتنقته رَغَباً وحباً وفرحاً ما كانت تعرف هذه اللغة الشريفة التي تحمل القداسات، والتي هي واجب على كل مؤمن ومصل دان بهذا الدين الحنيف.
انتشار اللغة العربية
وانكب المسلمون على تعلم اللغة العربية، كما انكب العلماء على تسهيلها وتيسيرها، فأوجدوا المعاجم التي تفسر معانِي مفرداتها، وقعَّدوا القواعد التي تبين معنى الجملة العربية، وطريقة تركيبها والتعبير الفصيح والصحيح فيها، وفعل البلاغيون الشيء ذاته، وبينوا الفرق بين الأسلوب الجميل وغير الجميل، وهكذا توالت العلوم المختلفة، من نظرية وعملية، وبدأ المسلمون جميعاً يتكلمون بالعربية، ويكتبون ويؤلفون بِها، وانتشرت اللغة العربية في كل مكان سطعت عليه شمس.
وتفتح كتب التراجم فترى آلاف الأسماء من العلماء الذين لم يكونوا عرباً في جذورهم، ولكنهم كانوا مسلمين في عقيدتهم، وقد خلفوا لنا تراثاً ضخماً رائعاً وخالداً في شتى العلوم والفنون باللغة العربية.
وظلت العربية سائدة في العالم كله قروناً عديدة مديدة، وغدت لغة العلم والثقافة والتأليف والترجمة والظرف والأناقة والافتخار والتباهي بين الناس . ويذكر التاريخ أن البابا بيوس الثانِي عشر وفد إلى الأندلس وأقام فيها حقبة من الزمن بغية تعلم اللغة العربية، والإفـادة من كتب المسلمين.
ويكفي أن نقول: إن كتب الخوارزمي والفرغاني، والبتاني، والبوزجاني، والرازي، وابن سينا، والزهراوي، والغزالي، وابن عربي، وابن عباد الرندي، والفارابي، وابن رشد، وابن البيطار، والفيروز آبادي، وابن قتيبة الدينوري، والبخاري، وابن ماجة، والنسائي، والترمذي، وسيبويه، والقزويني، والسكاكي، والزمخشري، وكثيرين من أمثالهم من غير العرب، كانت سائدة في العالم، وتدرس في معظم جامعات الغرب قروناً عديدة، ولا يزال كثير منها يدرس إلى يومنا هذا، وسيظل يدرس طوال الدهر، وعلى مدى بقاء اللغة العربية في هذه الدنيا لقد كانت اللغة العربية ثمرة من ثمرات الحضارة العربية الإسلامية، وفي عرس دائم في تلك القرون . كانت لغة الشرق والغرب، لغـة العلماء، والشعراء، والكتاب، وذوي الخيالات المجنحة، والمبدعين في أي مجال من مجالات الحياة.
وزادها جمالاً أن قواعدها تميزت بالدقة، ومفرداتِها بالغزارة، ومناهجَها بالخِصب والتنوع والقدرة على التوليد والاشتقاق والتجديد، وصدرَها بالسعة والقدرة على النقل والتعريب والتصوير، وأسلوبَها بالجمال والبلاغة وحسن العبير.
وبعد: كانت اللغة العربية في تلك الأيام في سعتها وانتشارها في أرجاء العالم، تشبه عولمة اللغة الإنكليزية اليوم من حيث الانتشار والتسابق إلى تعلمها، ولكن اللغة العربية لم تتجاوز حدودها اللغوية، وآفاقها الحضارية، ولم تحمل نزعة الشر والأذى والسيطرة الاقتصادية والعسكرية، والسياسية، والإنسانية لمخلوق، كما تحمله عولمة هذه الأيام.
كانت حضارة العرب والمسلمين تتسم بحمل الحب، والخير، واحترام الناس جميعاً، لا فرق فيها بين عربي أو عجمي، ولا بين أبيض أو أسود، ولا بين قوي أو ضعيف، والناس كلهم سواسية كأسنان المشط. وشتان ما بين اللغتين، وهيهات هيهات أن تبلغ الثانية جزءاً صغيراً مما بلغته الأولى وعاشت في ظلاله.
ويكفي اللغة العربية فخراً أنها لغة القرآن الكريم وحديث رسوله الحبيب ولغة هذه الأمة التي لم يعرف التاريخ عنها إلا الخير والحب والنور ورائع الحضارة ونفع بني البشر ![]()
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























